الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
260
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ذهب بعض المفسرين إلى أن التهديد الأول ينطوي على جانب معنوي ، والتهديد الثاني ينطوي على جانب ظاهري ومسخ جسمي ، وذلك بقرينة أن الله قال في هذه الآية : كما لعنا أصحاب السبت ونحن نعلم أن أصحاب السبت - كما يتضح من مراجعة الأعراف - قد مسخوا مسخا ظاهريا وجسديا . وذهب آخرون إلى أن هذا اللعن والطرد من رحمة الله ينطوي أيضا على جانب معنوي بفارق واحد ، هو أن التهديد الأول إشارة إلى الانحراف والضلال والتقهقر الذي أصابهم ، والتهديد الثاني إشارة إلى معنى الهلاك والفناء ( الذي هو أحد معاني اللعن ) . خلاصة القول : إن أهل الكتاب بإصرارهم على مخالفة الحق يسقطون ويتقهقرون أو يهلكون . ثم إن هنا سؤالا آخر هو : هل تحقق التهديد في شأن هؤلاء ، أم لا ؟ لا شك أن التهديد الأول قد تحقق في شأن كثير منهم ، وأما التهديد الثاني فقد تحقق في بعضهم ، ولقد هلك كثير منهم في الحروب الإسلامية ، وذهبت شوكتهم وقدرتهم . وإن تأريخ العالم ليشهد كيف تعرضوا بعد ذلك لكثير من الضغوطات في البلاد المختلفة ، وفقدوا الكثير من أفرادهم وعناصرهم ، وخسروا الكثير من طاقاتهم ، ولا يزالون إلى الآن يعيشون في ظروف صعبة وأحوال قاسية . ثم إن الله يختم هذه الآية بقوله : وكان أمر الله مفعولا ليؤكد هذه التهديدات ، فإنه لا توجد قوة في الأرض تستطيع أن تقف في وجه إرادة الله ومشيئته . * * *